أبي منصور الماتريدي

512

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يتركوا العدو وراءهم ؛ إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل ، و « 1 » أمكن أن يكون هذا تعليما من الله المؤمنين أمر الحرب وأسبابها « 2 » ، كما علمهم جميع ما يقع لهم من الحاجة إلى أسباب الحرب في غير آي من القرآن ؛ من ذلك : قوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً [ الأنفال : 45 ] ، وقوله : إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً [ الأنفال : 15 ] الآية ، وقوله : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ . . . [ الأنفال : 60 ] الآية ، وغير ذلك من الآيات . أو يحتمل أن يكون أمر بقتال الأقرب فالأقرب منهم كسائر العبادات . وقوله - عزّ وجل - : قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ . يخرج على وجهين : أحدهما : ما ذكرنا أنه يخرج على أمر القتال منه للمؤمنين . والثاني : إنباء عن دوام الجهاد والقتال مع الأعداء أبدا ؛ لأنه كلما فتح ناحية وقوما ، صار الذين بقوا وراء هؤلاء الذين يلونهم . وقوله - عزّ وجل - : وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً . قيل « 3 » : شدة عليهم . وفي حرف ابن مسعود - رضي الله عنه - وأبي : وليجدوا عليهم غلظة ، أي : شدة ، ويقرأ « 4 » : غلظة برفع الغين ، ويقرأ : غلظة بكسرها « 5 » ، وهما لغتان ومعناهما « 6 » واحد « 7 » . وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ . أي : من اتقى الخلاف له بالنصر لهم على عدوهم . وقوله : أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ .

--> ( 1 ) في أ : أي . ( 2 ) في ب : أسبابه . ( 3 ) ذكره السيوطي في الدر ( 3 / 523 ) وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن ابن عباس ، وكذا البغوي ( 2 / 340 ) . ( 4 ) وهي لغة تميم وهي قراءة السلمي ، وأبان بن تغلب ، والمفضل ، وأبي حيوة ، وابن أبي عبلة . ( 5 ) هي لغة أسد وهي قراءة جمهور القراء . ينظر : السبعة ص ( 320 ) ، والحجة ( 4 / 241 ) ، وإعراب القراءات ( 1 / 257 ، 258 ) ، وإتحاف فضلاء البشر ( 2 / 100 ) . ( 6 ) في ب : معانيهما . ( 7 ) وحكى أبو عمرو اللغات الثلاثة . والغلظة : أصلها في الأجرام ، فاستعيرت هنا للشدة والصبر والتجلد قال المفسرون : شجاعة ، وقيل : عنفا ، وقيل : شدة . والغلظة ضد الرقة ، وفائدتها أنها -